فاطمة رضى في بن أحمد – إقليم سطات، حين تُحاكَم الصحافة بالتشهير ويُراد إسكات الحقيقة بالسبّ والقذف.

في مدينة بن أحمد التابعة لإقليم سطات يصبح قول الواقع فعلَ تمرد، ويغدو نقل الوقائع جريمة أخلاقية في عرف من اعتادوا أن يعيشوا في الظل. ما تتعرض له المراسلة الصحفية بمدينة ابن أحمد ليس حادثًا عابرًا ولا شططًا لغويًا منفلتًا، بل هو عرضٌ مرضي لبنية اجتماعية-سياسية ترى في الصحافة تهديدًا لا وظيفة، وفي المرأة الصحفية خصمًا يجب كسره لا صوتًا يجب الاستماع إليه.

حين كتب بيير بورديو أن «العنف الرمزي هو ذلك العنف الذي يُمارَس بموافقة من يُمارَس عليهم»، لم يكن يتحدث عن الضرب أو القمع المادي، بل عن تلك اللحظة التي تُستعمل فيها اللغة لتدمير السمعة، ويُستهدف الجسد الاجتماعي للإنسان بدل مناقشة الفعل الذي قام به. ما جرى هنا هو عنف رمزي مكتمل الأركان: سبّ، تشهير، قذف، زجّ بالحياة الخاصة، وتحويل الأم والزوج والأبناء إلى أدوات ضغط، فقط لأن صحفية قررت أن تقول إن في المدينة حفرًا، وإن النفايات ليست وجهة سياحية.

في علم الاجتماع السياسي، لا يُقرأ هذا السلوك بوصفه انحرافًا فرديًا، بل كآلية دفاعية للسلطة المحلية غير المعلنة. فحين تعجز البنية السياسية عن تقديم جواب عملي، تلجأ إلى ما سماه ميشيل فوكو «إنتاج الخطاب العقابي»، حيث لا يُعاقَب الفعل بالقانون، بل يُعاقَب الفاعل بالتشهير، ويُراد كسر صوته عبر تحطيم صورته الاجتماعية. إننا أمام منطق واضح: لا تجادل الصحفي، بل لوّثه.

الأكثر فجاجة في هذا المشهد أن الاستهداف اتخذ طابعًا جنسانيًا صريحًا. فالمرأة الصحفية لا تُناقَش باعتبارها فاعلًا مهنيًا، بل تُختزل في جسدها، في شرفها، في علاقتها الزوجية، وكأن المجتمع يقول لها ضمنيًا: مكانك ليس في الفضاء العام، بل في الصمت. وهنا يستحضر المرء قول سيمون دي بوفوار: «لا يولد الإنسان امرأة، بل يُصبح كذلك»، أي يُدفع دفعًا إلى أدوار مرسومة سلفًا، ومن يخرج عنها يُعاقَب اجتماعيًا قبل أن يُعاقَب قانونيًا.

إن استعمال تسجيلات الفيديو، والصفحات الوهمية، والتلميح بدل التصريح، ليس صدفة تقنية، بل استراتيجية اجتماعية. فالسلطة الهشة لا تواجه وجهًا لوجه، بل تختبئ خلف القناع. هانا أرندت كانت واضحة حين قالت إن «العنف هو ملاذ السلطة عندما تفقد مشروعيتها». وما يحدث هنا هو عنف لغوي فجّ، لأن السلطة المحلية فقدت قدرتها على الإقناع، فاختارت الإساءة.

لا أحد يناقش مضمون العمل الصحفي، ولا أحد يدحض الوقائع المنشورة، لأن الوقائع عنيدة. بدل ذلك، يُفتح ملف الإرث، ويُستحضر النزاع العائلي، ويُنبش الخاص لإعدام العام. هذا ما يسميه عالم الاجتماع زيغمونت باومان «سيولة الأخلاق»، حيث تنهار الحدود بين ما هو شخصي وما هو عمومي، وتُستباح الحياة الخاصة حين تعجز الجماعة عن إنتاج معنى سياسي عقلاني.

إن الأخطر في كل هذا ليس الإساءة في حد ذاتها، بل الصمت الاجتماعي الذي يرافقها. الصمت الذي يجعل من التشهير ممارسة عادية، ومن السب وسيلة نقاش، ومن تحطيم الصحفيين ثمنًا مقبولًا لـ«الاستقرار». هنا يتحقق ما حذّر منه أنطونيو غرامشي حين قال: «الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وفي هذه المرحلة تظهر الوحوش». والوحش هنا ليس فردًا، بل ثقافة كاملة ترى في الحقيقة خطرًا.

ما تتعرض له هذه المراسلة الصحفية ليس مساسًا بكرامة شخص واحد، بل اختبار حقيقي لمدى هشاشة المجال العمومي المحلي. فإذا كان نقل صورة لحفرة أو نفايات يستدعي حملة تشهير، فماذا سيحدث حين يُفتح ملف الفساد أو المسؤولية السياسية؟ إننا أمام رسالة ترهيب واضحة: الصحافة المسموح بها هي الصحافة الصامتة، والصحفي الجيد هو الصحفي غير المرئي.

لكن التاريخ، كما يقول نوربرت إلياس، لا يُدار بالرغبات بل بالتوازنات. والتوازن الاجتماعي لا يُصان بإسكات الأصوات، بل بتنظيمها داخل فضاء قانوني وأخلاقي. والتشهير، مهما علا صوته، يظل دليل ضعف لا قوة، ودليل خوف لا سيادة.

إن الدفاع عن هذه الصحفية هو دفاع عن المدينة نفسها، عن حقها في أن تُرى كما هي، لا كما يُراد لها أن تُقدَّم. وهو دفاع عن فكرة بسيطة لكنها مكلفة: أن الصحافة ليست عدوًا للسلطة، بل مرآتها، وأن من يكسر المرآة لا يغير وجهه، بل يؤكد قبحه.

وفي النهاية، يبقى قول جان بول سارتر صالحًا لكل زمان: «أخطر ما في الصمت أنه يربّي الطغاة». لذلك، فإن الصمت هنا تواطؤ، والكلام مسؤولية، والوقوف إلى جانب الصحافة ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا أوليًا لأي مدينة تريد أن تُحسب على الحياة لا على الهامش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى