إساكن وجع الانتماء.. رحلة البحث عن التغيير وسط حقول الألغام

ذ. محمد اعبوت
أحيانًا، لا يكون الانتماء إلى مسقط الرأس مجرد حنينٍ عابر أو عاطفة دافئة تستقر في الذاكرة، بل يتحول إلى عبء ثقيل يُختبر به الضمير. عبء يضعك وجهاً لوجه أمام سؤال قلق ومفتوح: هل حبُّ الأرض نعمة تُغني الأرواح، أم نقمة تجرّ أصحابها إلى معارك لم يكونوا ليخوضوها لولا هذا الرباط العميق؟
إساكن: بوصلة القلب ووجع الهامش
لا أجد تفسيرًا ماديًا يربطني ببلدتي إساكن؛ فلا منصب يشدّني إليها، ولا مصلحة ضيقة تحكم علاقتي بها، كل ما في الأمر أنني أراها بعينين مختلفتين: عين تعشق طبيعتها، جبالها الشاهقة وغاباتها الصامتة، وعين أخرى لا تقبل لها إلا الكرامة، بنية تحتية تليق بإنسانها، اقتصادا محليا يحفظ العيش الكريم، ووعيا جماعيا يحصّنها من التهميش وسوء التدبير.
من هذا المنطلق، وبدافع غيرة صادقة، اخترت الانخراط في العمل المدني. أسست جمعية وأنا مازلت طالب مؤمنا بأن التنمية فعل تراكمي، وبأن المجتمع المدني شريك في البناء لا خصم في الصراع، غير أن الواقع كشف لي سريعا منطقا مقلقا: ففي حسابات بعض الفاعلين المحليين، كل مبادرة مستقلة تُقرأ كتهديد، وكل فعل تنموي يؤوَّل كمشروع “خصم” يجب تطويقه وإفشاله.
البحث عن المعنى
قادتني الأقدار ولم اختر الصحافة كمهنةً، ولكن بسببها جلت مناطق عديدة من المغرب، ولمست عن قرب الفوارق الصارخة بين “المركز” و“الهامش”، غير أن الأضواء لم تُغْرِني، بل أعادتني إلى إساكن بسؤال مهني وأخلاقي: لماذا يلفّ الصمت هذه المنطقة؟ ولماذا تُترك مشاكلها خارج النقاش العمومي؟
اشتغلت إعلاميا لفتح ملفاتها المسكوت عنها، ودافعت عن الفلاحين البسطاء، وطالبت بتقنين القنب الهندي في إطار القانون والمؤسسات، لا استمالة لأحد، بل سعيا لرفع سيف المتابعات القضائية عن رقاب آلاف الأسر الهشة، كان الهدف واضحًا: نقل الملف من منطق “الجريمة” إلى أفق “التنمية”.
غير أن هذا الخطاب العقلاني لم يَرق للوبيات الاستغلال، فكان الرد تحريضا، وتشويها، وتجييشا للبسطاء ضد من يسعى، في العمق، إلى حمايتهم. هكذا يتحول الدفاع عن الفقراء إلى تهمة، والكلمة الصادقة إلى خطر.
السقوط الأخلاقي ومخاض التغيير
تحت ضغط هذا الواقع، ورفضا للرداءة، وجدت نفسي من باب العناد في السياسة. لم يكن ذلك شغفًا بالمناصب، بل محاولة لإنقاذ الشأن المحلي من عقلية ضيقة قتلت آفاق التنمية، وعملية كان يجب ان اقوم بها لمنح الفرصة للبسيط قبل انتقاد اختياراته وتحميله مسؤولية ما وصلت إليه المنطقة.
المؤلم أن أقسى الضربات لم تأتِ من الخصوم المحتملين، بل من محيط قريب، اختار التشويه والتحريض بدل النقاش والمواجهة الشريفة.
ورغم الأبتعاد فخوفهم قد أبلغهم الانحدار الأخلاقي وذلك حين جرى استغلال أشخاص ضعفاء، ومدمنين على المخدرات، في حملات تشهير بائسة، مقابل جرعات من السموم. هنا ندرك أن المعركة لم تعد سياسية بالمعنى النبيل، بل صراعًا بين منطق البناء ومنطق الهدم.
من دمّر عقول الشباب لا يملك الحق الأخلاقي في تقرير مصيرهم، ولا مكان لتجار المآسي في قاطرة المستقبل.
التراجع خيانة… والصمود قدر
اليوم، وأنا في مكان اخر بعيد منغمس في العمل أُسيّر مؤسستي الإعلامية وامتهن مهنتي وأؤدي واجبي الأكاديمي تجاه طلابي، تأتني أخبار من إساكن حول من يحاول اطلاق أكاذيب عني فيظل السؤال يلاحقني: هل يستحق مسقط الرأس كل هذا الاستنزاف؟
الجواب يأتي من عمق الإيمان بالمعنى: التراجع في منتصف الطريق خيانة للفكرة، وخذلان للأمل، سأواصل، لا حبًا في الصراع، بل إيمانًا بإمكانية التغيير، وبحق هذه المنطقة في نخبة شابة، نزيهة، وواعية، تدبّر الشأن العام بمنطق الخدمة لا الغنيمة.
لقد ربحت احترام العقلاء والشرفاء، وهو رأسمال لا يفنى، وخسرت ودّ المنتفعين، وهو ثمن أدفعه بطمأنينة.
قد يكون حب مسقط الرأس نقمة متعبة، لكنه، دون شك، نقمة أنبل وأطهر من راحة الصمت، ومن مهانة الانكسار.




