إجبارية التصريح الضريبي مقابل تصحيح الإمضاء… حين تتحول الخدمة الإدارية إلى أداة ضغط جبائي

بقلم: محمد هلالي
يبدو أن بعض الجماعات الترابية، خصوصاً بالدارالبيضاء، بدأت تربط بين خدمة تصحيح الإمضاء والإدلاء بما يثبت تسوية الوضعية الجبائية للمواطنين، وهو ما أثار موجة من الجدل والاستياء، بعدما تحولت هذه الخدمة الإدارية البسيطة إلى وسيلة غير مباشرة للضغط الجبائي، تمس فئة واسعة من المواطنين، خاصة أصحاب المحلات التجارية الصغيرة ومالكي الشقق المعدة للكراء.
ففي عدد من المقاطعات، يُفاجأ المواطن عند طلبه تصحيح الإمضاء على عقد كراء أو وثيقة إدارية، بطلب شهادة التصريح الضريبي أو ما يثبت تسوية وضعيته الجبائية، رغم أن تصحيح الإمضاء في جوهره إجراء شكلي يقتصر على التأكد من هوية الموقع ومطابقة توقيعه، دون أي علاقة مباشرة بوضعه الجبائي.
هذا الربط يطرح إشكالات قانونية وإدارية، لأنه يخلط بين اختصاصات المصالح الجماعية المكلفة بتصحيح الإمضاء، واختصاصات الإدارة الجبائية التي لها مساطرها الخاصة في المراقبة والتحصيل، كما يخلق نوعاً من “العقوبة الإدارية غير المعلنة” في حق مواطن لم يصدر في حقه أي قرار إداري أو قضائي نهائي.
ويرى متابعون أن هذا الإجراء، وإن كان يندرج ضمن توجه الدولة إلى توسيع الوعاء الضريبي ومحاربة التهرب، إلا أنه يتم بأسلوب غير سليم، يقوم على تعطيل خدمة عمومية مقابل الامتثال الجبائي، بدل اعتماد مقاربة تقوم على التحسيس والتدرج واحترام المساطر القانونية الواضحة.
كما أن هذا الوضع يفتح الباب أمام تفاوت في التطبيق بين جماعة وأخرى، حيث يتم فرض هذا الشرط في بعض المقاطعات بينما يغيب كلياً في أخرى، ما يضرب في العمق مبدأ المساواة بين المواطنين أمام الإدارة، ويحوّل الخدمة العمومية إلى إجراء خاضع للاجتهاد المحلي بدل النص القانوني الموحد.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن تبسيط المساطر الإدارية ورقمنة الخدمات، يظهر هذا النموذج من الممارسات كعودة غير مباشرة إلى منطق التعقيد وربط الحقوق بالالتزامات بطريقة إجرائية ضاغطة، لا تراعي الهشاشة الاجتماعية ولا طبيعة المعاملات اليومية البسيطة التي يحتاجها المواطن.
إن إصلاح هذا الخلل يمر عبر الفصل الواضح بين الخدمة الإدارية والالتزام الضريبي، واعتماد قنوات قانونية مستقلة لتحصيل الضرائب، مع تعزيز الثقة بين المواطن والإدارة بدل بناء العلاقة على منطق المنع والاشتراط. فتصحيح الإمضاء يجب أن يبقى خدمة إدارية محايدة، لا وسيلة ضغط ولا أداة عقاب غير معلن.




