كهرباء “بلاد الكيف”… هل أصبح الظلام عقابًا جماعيًا؟

ليس من المقبول أن تتحول أزمة انقطاع الكهرباء في مناطق جبال الريف بإقليم الحسيمة، خاصة بجماعتي ودائرتي كتامة وتارجيست، إلى مشهد يتكرر كل عام حتى أصبح جزءًا من الحياة اليومية للسكان. ففي الصيف ترتفع درجات الحرارة ويزداد الطلب على الطاقة، فتتعطل المحولات الكهربائية أو تحترق بسبب الأحمال الزائدة، وفي الشتاء تكشف الأمطار والرياح هشاشة شبكة التوزيع، فتتساقط الأعمدة أو تنقطع الأسلاك المتهالكة التي تجاوزت عمرها الافتراضي منذ سنوات. وبين صيف يرهق المحولات وشتاء يفضح ضعف البنية التحتية، يبقى المواطن هو الضحية الأولى، ينتظر عودة الكهرباء كما لو أنها خدمة استثنائية وليست حقًا من حقوقه الأساسية.
هذه الأزمة لم تعد مجرد أعطاب تقنية متفرقة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على خلل بنيوي في طريقة تدبير قطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين. فالكهرباء اليوم ليست وسيلة للإنارة فقط، بل هي أساس التعليم والصحة والتجارة والاتصال والإدارة، وبدونها تتعطل مصالح الناس وتتوقف عجلة التنمية. وعندما يستمر انقطاعها لأيام، كما حدث في أكثر من دوار بإقليم الحسيمة، فإن الأمر لم يعد يتعلق بعطب تقني، بل بفشل في ضمان استمرارية مرفق عمومي أساسي.
ومع كل انقطاع جديد، تتكرر التبريرات ذاتها. ففي السابق كان المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يربط هذه الأعطاب بسرقة الكهرباء وعدم أداء الفواتير، واليوم تردد الشركة الجهوية متعددة الخدمات الخطاب نفسه، معتبرة أن ظاهرة اختلاس الكهرباء تكبدها خسائر مالية كبيرة وتؤدي إلى احتراق المحولات وتعطل الشبكة.
لا أحد يجادل في أن سرقة الكهرباء مخالفة يعاقب عليها القانون، ولا يمكن لأي مجتمع أن يقبل بمثل هذه السلوكيات لأنها اعتداء على المال العام وعلى حقوق المشتركين الذين يؤدون مستحقاتهم بانتظام. غير أن الإقرار بوجود هذه الظاهرة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر دائم لإعفاء المؤسسات من مسؤوليتها في تطوير الشبكة وحماية حق المواطنين في الاستفادة من خدمة عمومية ذات جودة.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط: ما ذنب الأسرة التي تؤدي فواتيرها شهراً بعد شهر إذا كان أحد المشتركين على الخط نفسه يسرق الكهرباء؟ وهل يجوز أن يعاقب الجميع بسبب تجاوزات يرتكبها البعض؟
القانون المغربي واضح في هذا الجانب، إذ يجرم سرقة الكهرباء ويحدد العقوبات المترتبة عنها، وهو ما يجعل مسؤولية الضبط والمراقبة وتطبيق القانون مسؤولية المؤسسات المختصة، لا مسؤولية المواطن الملتزم. فالعقوبة ينبغي أن تكون فردية، أما حرمان قرى بأكملها من الكهرباء فهو شكل من أشكال العقاب الجماعي الذي لا ينسجم مع مبادئ العدالة ولا مع فلسفة المرفق العمومي.
والأخطر من ذلك أن تكرار هذه المبررات يخفي مشكلة أكثر عمقاً، وهي ضعف الإمكانيات البشرية واللوجستية المخصصة لتدبير هذا القطاع في المناطق الجبلية. فمن غير المعقول أن يتولى مكتب محلي واحد في مركز إساكن، بعدد محدود جداً من الموظفين، تغطية أربع جماعات ترابية تمتد على عشرات الكيلومترات وتضم مئات الدواوير. فكيف يمكن الحديث عن مراقبة فعالة، أو تدخل سريع، أو محاربة حقيقية للسرقة، في ظل هذا الخصاص الواضح في الموارد البشرية والتقنية؟
إن ضعف المراقبة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتحميل الساكنة مسؤولية الاختلالات، بل هو في حد ذاته أحد أسباب استمرارها.
وفي كل صيف تتكرر أيضاً حجة أخرى، وهي أن الاستعمال المكثف للكهرباء في سقي القنب الهندي يؤدي إلى الضغط على المحولات الكهربائية وإتلافها. وخلال فصل الشتاء يشار إلى استهلاك بعض الوحدات التحويلية أو المختبرات لمعدات كهربائية ذات قدرة عالية. وقد تكون هذه المعطيات صحيحة في جزء منها، لكن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يرتفع الاستهلاك؟ بل: لماذا لم تتطور الشبكة الكهربائية لتواكب هذا الواقع؟
فالطلب المرتفع على الكهرباء لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مشكلة فقط، بل هو أيضاً مؤشر اقتصادي على وجود نشاط يحتاج إلى بنية تحتية قادرة على استيعابه. وفي مختلف دول العالم، عندما يرتفع الطلب على خدمة معينة، يكون الجواب الطبيعي هو توسيع الاستثمار، وليس الاكتفاء بتكرار الأعذار نفسها كل سنة.
ثم إن المغرب اختار، من خلال القانون رقم 13.21 المتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، فتح صفحة جديدة في التعامل مع هذا القطاع، بهدف إدماجه في الاقتصاد المنظم وخلق قيمة مضافة وفرص شغل واستثمارات جديدة. وإذا كان الأمر كذلك، فمن المنطقي أن تواكب البنية التحتية الكهربائية هذا التحول، لأن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تقوم على شبكة كهربائية صممت قبل عقود لاحتياجات مختلفة تماماً.
إن تقوية القدرة الكهربائية، وتركيب محولات إضافية، وتقسيم الأحمال بين الدواوير، وتجديد الأعمدة والأسلاك، وتوظيف فرق تقنية جديدة، ليست مصاريف زائدة كما قد يعتقد البعض، بل استثمارات تضمن استمرارية الخدمة، وترفع مداخيل الشركة نفسها، وتحد من الأعطاب والخسائر على المدى البعيد.
وإذا كانت القدرة الحالية للشبكة لا تسمح بتلبية الطلب، فإن هذا يستوجب إطلاق رؤية تشاركية تجمع الشركة والسلطات والجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين، من أجل تشجيع الطاقات المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية، وتقديم حلول عملية للتخفيف من الضغط على الشبكة، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات مع الساكنة.
كما أن المجالس المنتخبة تتحمل بدورها جزءاً من المسؤولية. فدورها لا يقتصر على تدبير الملفات الإدارية اليومية، بل يشمل أيضاً الدفاع عن حقوق المواطنين، والترافع لدى الجهات المختصة، واقتراح مشاريع لتأهيل البنية التحتية، وتتبع تنفيذها. غير أن هذا الملف ظل، لسنوات، غائباً عن أولويات العديد من المجالس، رغم أنه يمس أبسط شروط العيش الكريم.
ولعل الاحتجاج الذي نظمته ساكنة دوار تمدا بجماعة إساكن أمام مقر الشركة الجهوية متعددة الخدمات، بعد أكثر من عشرة أيام من انقطاع الكهرباء بسبب احتراق محول كهربائي، يعكس حجم الاحتقان الذي بلغته الساكنة. فالأمر لا يتعلق بعطل عابر، بل بكشف حقيقة تقنية مقلقة، وهي أن محولاً واحداً كان يغذي أكثر من خمسة دواوير، وهو حمل يفوق قدرته الطبيعية. وحتى إذا تم استبداله، فإن المشكلة ستتكرر ما لم تتم إعادة هيكلة الشبكة وتقسيم الأحمال بما يتناسب مع عدد السكان وحجم الاستهلاك.
ولا ينبغي أن نغفل الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه الانقطاعات المتكررة. فالتلاميذ يحرمون من المراجعة ليلاً، والمرضى يتضررون من تعطل بعض التجهيزات الطبية أو صعوبة حفظ الأدوية التي تحتاج إلى التبريد، والتجار والحرفيون يخسرون جزءاً من مداخيلهم، كما تتعطل خدمات الاتصال والإنترنت والإدارة، ويتحول انقطاع الكهرباء من مشكلة تقنية إلى عامل يعرقل التنمية ويعمق الشعور بالتهميش.
إن ساكنة جبال الريف لا تطالب بامتيازات خاصة، ولا تبحث عن معاملة استثنائية، وإنما تطالب بما يكفله القانون لكل المواطنين: خدمة عمومية مستقرة، واستثمارات عادلة، ومحاسبة للمخالفين دون تعميم للعقوبة على الجميع.
لقد آن الأوان لتغيير النظرة إلى هذه المناطق. فجبال الريف ليست عبئاً على الدولة، وليست فضاءً يُدار بمنطق الأعذار الموسمية، بل هي مجال يزخر بإمكانات بشرية واقتصادية تستحق أن تُواكب ببنية تحتية تليق بها. والاستثمار في الكهرباء ليس مجرد استجابة لمطلب اجتماعي، بل هو استثمار في الاقتصاد المحلي، وفي الاستقرار، وفي العدالة المجالية التي جعلها المغرب أحد رهاناته الكبرى.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع: هل سنواصل كل صيف الحديث عن محولات احترقت، وكل شتاء عن أعمدة سقطت، أم أن الوقت قد حان لوضع رؤية حقيقية تعالج أصل المشكلة بدل الاكتفاء بمعالجة نتائجها؟
إن استمرار تعليق الأزمة على شماعة سرقة الكهرباء وحدها لم يعد مقنعاً، لأن من يسرق يجب أن يُحاسب وفق القانون، أما من يؤدي واجباته فيجب أن تصله الخدمة دون انقطاع. فالكهرباء ليست منّة من أحد، بل حق للمواطن، وواجب على الدولة ومؤسساتها أن تضمن استمراريته. وعندما يصبح الاستثمار في البنية التحتية أولوية، ستتحول هذه المناطق من فضاء تتكرر فيه الأزمات إلى نموذج للتنمية التي تنطلق من احترام كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.




